مدينة أخرى



الساعة الآن الثامنة عشر ... الليل قد بدأ من منتصف النهار،يزدحم الصمت عند الأبواب في شارع / الفاروق القديم / المرصوف بأعمدة الكهرباء وعربات سوق الخضراوات ، بعد ساعات متقدمة ، الظلمة جعلت الحارسين يختلسان المراقبة صوب دفء الحجرات في منزليهما ، ولم يبق من يجالس السهر سوى مغزلي السيدة المتشاجرين بين خيوط الصوف السود ، يغسلهما الملل . كانت قد تصفحت الطلاسم فوجدت أن الذات تتعمق ونبحر في التنقيب والأرض مثل كرة الغزل انفلتت من يد عملاق فأخذت مكانها في الكون/ ملتهبة / يحاول إطفاءها شلال البقاء ... جاءت بفيروساتها وتفعيلاتها / ضباب / سراب / خراب /ثم مدن فخمة وصغيرة لياليها تلد أحداثا" مهمة تدفنها بين أدغال تلبس أثوابا"لم يطرزها  الترزي... ومسالك يحلق فيها الوهم بشغف أثيم ، وعجلة الزمن تظهر المخبآت بأدق صورة وكانت الفكرة مثل غيمة تظلل سكون القبر ... لم تعد السماء تشم رائحة الأرض المرتعدة ، فالمنازل تراصفت قبابها المنتفخة بالدفء والحكايات التي توجع في الذكرى ، حتى أبيح إطفاء أحلام القلوب ...





يزحف الضباب من جديد ماردا" أبيض مثل زحف الغزل بين منقاري المغزلين، له بصمات أقدام باردة ، يزاحم النوافذ التي غشتها الأنفاس المنتظرة بترقب عميق وبعيون شاخصات تتحسس بلورات الدقيق الطائرة في الشارع ذاته ... لم يعد للمخبر وجود / بائع الزجاج / مصلح الدراجات النارية /  بائع الفوانيس/ الخياط الأحدب / كلهم مثل حلم الظهيرة في فراش مراهق ...ولم يعد الطريق يحتضن الزحمة مثلما مـر عليه الجميع قبل يومين حين عودتهم من حقولهم المخضرة ، بعد أن تركوا أمنياتهم الملونة على التل تفيض بالدعاء والابتهال ... وساعات بعد أخر بعجلات مكسورة ينمو الزحف بين أشجار الصنوبر وعلى ماء النهر الجاري باتجاه المطحنة المعطلة، ومازال جارنا في إسطبله يراقب زفير الخيول ..



ثمة مارد ..... بانتهازية عالية يخطف قناديل الطرقات التي سارت  بينها قبائل العاشقين التاركين بسمتهم على جدران المحاكم ،  يتطلع المارد لاجتماع الأصدقاء بعد منتصف الليل متنكر بكمامة ليسافر من حجرة إلى أخرى  ، من كف إلى كف يحمل هوية ( وحش الملك أوديب ) أو كبير المذنبين ليغرز شوكة في وردة بيضاء ... تنهدت السيدة ثـم افترشت صفحة واحدة ... ثمة همس للمغازلة ... لاحياء فيه . هذا ماقالنه حين رأينه وسطهن يمسح الذكريات وصور الأجداد وتاريخ الأشجار المعمرة ... ثمة ساعي بريد بحقيبة متهرئة مازال بحاجة لرسائل أخــر .

الضباب ....  يحلق إلى مصرف الدم ، و صالات الجراحة ، أسرة المرضى ، لقاح المصابين ، يلمس أصابع أقدام حافية فقيرة ، يدخل المسامات ، يدغـدغ الحواس يثير ألما" في النبض ، ألما" في جـرح الدقائق المسرعة ، وفي عيون الماء وتصريفة فوق قمـم الجبال الملتحفة بالغيـم  ، والمحتضنة بعضها البعض ، ألما" بمصروف السيدة نفسها على باب دكان بقال المحلة . ومازال الشجار الكبير الذي يقيمه الفيروس مستمرا".يزداد النبض جريا" وألما" في اللسان والأنف والعقل الكسول ...أحتل الأشياء كلها ، يتجدد الانتحار، يثير خوفا" ... الضباب يعيد ترتيب شهيق الأشياء وزفير الكلمات بعد أن تنكر في شكل / شجرة / امرأة / عملة كبيرة تنتظر الصرف ..... / مارد عملاق ....

شيء من الريـــح ...

يحيل المارد نفسه إلى داء ( النقرس) أو ما يسمى بداء الملوك المتوقفين عن أداء عملهــم ... نعم الريح .. تحيل المارد إلى اضطراب رهيب ، أو توجس للرعب في فجر أرمل عند بوابة مقبرة تاريخية جاهزة لاستقبال نزلاء  جدد / لا تعليل / لا استجابة /لارفض / تحت مؤسسة الضباب القادمة إلى زوايا مدينة رمادية بلا صوت وملتفة بأعشاب الحمى ...

دأبت الأمطار على الهطول والريح الباردة أصبحت معطفا"ممزقا" ... يطوي النهار ساعاته والطرقات كانت قد غسلتها المياه السائلة من مرتفعات مجاورة ... والأنفاس والأضواء مازالت سفينة محطمة في عرض البحر أو بحيرة بجع تنتظر الوصول إلى بحار له كرش ناتىء  ، شديد الامتعاض من حركة الزمن ببطء أو في خصلة شعر بيضاء في رأسها البارد ..  

السيدة ....

زارت فراشها وتخيلت كيف يصل إلى الساحة الكبرى يترك فجوة بينه وبين الأرض مملؤة بالموتى بالروائح النتنة المنبعثة من أجساد مستلقية في تلك المساحة الضيقة التي بقيت من الخناق الذي أحدثه الضباب ...

لا يبكي ... لا يحزن ... لا يتألم ... لا يصرخ ... لا يعتصر ..

وبتغافل وسرية تامة وتحت جنح ضوء غريب يرحل المارد تحت مطر غزير وبحركة مفاجئة . تقف الصورة هكذا ، ثم يخفت الضوء فيها تدريجيا" ، شيئا" فشيئا" ... يعلن عن بيان أول ... الضباب ذاته  يكون قد أكتسح المدينة كلها ، وكرة الغزل كانت قد أصبحت كفنا" أنيقـــــا" .



            


View bayat's Full Portfolio
tags: