عام على رحيل ياسين ابو ضفار

Folder: 
قصص جديدة

عام قاس بعد رحيل البعقوبي (ياسين أبو ظفار)

بقلم: محمد الأحمد

سأكون أول من يذكرك، ولو بعد عام من مصرعك برصاصات حاقدة، تعمدت النيل من ثقافة البلد، قبل أي شيء، فأرثيك اليوم، أبكيك، واحيّيك فما زالت جُلّ خطاباتنا بكاء على الإطلال، نجرّ بها أذيالا من المُخيبّات لنحقق لذواتنا بأننا نحيا إلى الماضي، وليس إلى الحاضر. نجرها ، والأحق بأننا ندفعها أمامنا، ونكون دائما خلفها، نختبئ بها، ونسنن للمستحيل كل أخطاؤنا، فنكون قد أضعنا الصواب قبل الخطأ، ولكن بعد فوات الأوان.. أذكرك، ولن ألوم ثلة أصدقائنا الخائفين، ولكني اليوم أرثيك، ولو بعد عام قاسي من الرحيل.. إذ كنتُ ألتقيك هناك في (بعقوبة)، ساهما حالما تجرك خطواتك، وأنت تحمل ما نشرته لك صحف البارحة، تطويها تحت إبطك الشمال كتميمة لا تريد لها إلا الفكاك، وتمشي الهوينا، تعبر بك أفكارك إلى ابعد مما تتسع له خطواتك، وعندما ألتقيك تارة أخرى في يوم آخر بـ(بغداد) تحمل إليها ما كتبته ليلة أمس أملا بان تنشره لك صحف الغد، لأنك لا تؤجل كتابة اليوم إلى يوم آخر، فصرت احد أعلام هذه البقعة الطيبة بأهلها، والعصية عليهم.. إذ كان (برنادشو) يؤكد على سخريته (إن أسلوبي في المزاح هو أن أقول الحقيقة)، و(أنه عندما يكون الشيء مُضحكاً ابحث عن الحقيقة الكامنة وراءه)، وبقيت مؤمناً بان ما من حقيقة تجرح، وما من كلام لا يصل، كذلك يقول (نيتشه): إذا أراد احد أن يكون هاما، فعليه أن يحترم ظله، فكنتُ أراك يا صاحبي مطرق الرأس، مهموماً، ومعتمراً قبعة تكاد تمسك بك أكثر مما تمسك أنت بها، تحاذي نهر (خريسان) الذي يصاحبنا كل يوم إلى أحلامنا، ولكننا ما صاحبناه إلى أجمل أيامنا، إذ كنت أيضا تحمل محفظة أوراق وقصاصات جرائد نشرت لك انتصارات تفكير انتصرت فيه على نفسك فكتبت حلم عاجل راودك استنتاجاً، وعافرك الموت بغفلة.. كعصفور صغير في يوم عاصف ماطر، وقد وجدت كتابا قديما في مكتبة احد الأصدقاء، لم تستطع أن تقرأه يومها، فقراته اليوم، تكتب عنه انطباعك اليوم، بقي الكتاب طريحا معك،. اذكرك تشكرني كل يوم، لأني تسببت في نشر أول مقال لك عن الحمار الذي هرب من كصديق وودعك عند حافة العمر، كم كان ذلك مشوقاً أيها الصديق الذي افترش ظلك مساحة لا بأس بها، ولم تظلك قبعتك من لفح الشمس أو الرصاصات الثلاثة التي فاجأتك ثاراً، وأسقطتك بلا الم قرب دارك، وأنت تهم بالعودة إلى البيت.. كنت على يقين بان اليوم الجميل لابد أن يكون حافلاً بحدث جميل، وقد تركت في يدك ساعة النهار تزف لك موعدا لنثيث مطر كنت تحبه، وبقيت تأمل أن يكون اليوم ممطرا إلى اليوم التالي، وحقا بللك المطر يومها وخضّبك دمك يومها، وقد بقيت جثة ممددة على الرصيف لأكثر من ساعتين، فما كنت تأمل من المطر الذي نزل مدرارا وتوقف عندك، فقد قيل: (كثير من الشك يؤدي بك إلى كثير من الفهم. قليل من الشك يؤدي بك إلى قليل من الفهم. لا شيء من الشك يؤدي بك إلى لا شيء من الفهم). فـ(الإدعاءات الكبيرة تحتاج إلى براهين كبيرة)، وكما يقول نيتشه: (لا يعجبنا الجيد حينما لا نكون في مستواه).. هكذا كنا نحسد (فرويد) العالم حول نظرته لنظريته عندما فقد الأمل في البايولوجيا كوسيلة تفسر السلوكيات غير الطبيعية، ووضع بدلاً من ذلك نظريةً في التحليل النفسي تعتمد على القناعة بأن نمو الإنسان وتطوره يُفهم بشكل أوضح في حالة تغيُّر مواضيع رغباته الجنسية، وأن اللاوعي يكبت الرغبات الجنسية، والرغبات ذات الطبيعة العدوانية. وكم كنا يا(بن الناس) نحلل أقاصي الكلام إلى ما لا يكون قريباً، فالذي أودعك السجن ذات يوم كان يستند على آلة تسجيل كانت الدليل المادي على إدانتك بأنك قذفت أعلى رمز سياسي في البلد، كما أتذكر بأنك كنت تكره البريد الالكتروني لأنه يخسرك عدم استخدام الطابع البريدي، وأيضا يخسرك أن ترسل قليلاً من لعابك سرّا إلى من ترسل إليه، كنت تلتقي عند حافة الكلمة تلامسها من حيث لا تحتسب بأنها نور سوف يخترق الظلام دون أن تخاف منها بأنها ذات يوم سوف تخترق صدرك بحقد من ينقم على النور بالظلمة.. كم كنت عزيزا على الكلمة، وكم كانت الكلمة عزيزة عليك حيث أهديتها حياتك، تارة أولى قلتها سرا لصديق، كنت تظنه أمينا عليها، ولكنه أودعها عند من لم يعطه خيارا بان يبقى خارج السجن، وتارة أخرى أودعتها مكتوبة في الصحف فجاءك من لم يمنحك البقاء حيا ليوم آخر.. كان الخطاب الذي يجيدونه بأكمل وجه ليمحق الخطاب الذي كنت تجيده بأكمل وجه، لقد عمدوا يا صاحبي إلى تزوير الحقيقة بإلف سبيل، ولم نكن نعرف بأنهم أرادوا لها الطمس بالمسدس؛ إلا وصلت إلى يقين بذلك عندما خرقتك الرصاصات. فأحد أهم مشكالات الثقافة العراقية، افتقارها إلى ثقافة الاعتراف بالرفيق المؤثر، والصديق المشجع، وتأشير صاحب الفكرة الأساسية، فكم رفيق درب أوحى لنا بجواهر الأفكار، وكشف لنا أسرار دفعتنا إلى كتابة دقيقة مست صميم حاجتنا، وكم بنا حاجة إلى مبادرة الكاتب في عرض وجهة نظره عن ذاته والآخرين بصدق، وتجرد، وكم ينقصنا لمبادرة (اعتراف) حرّ شجاع نتجاوز فيه لقيود الذات، وركام إرث التقاليد والأنانيات الفردية، وكم نحتاج إلى كشف أوراق ثقافة الكبت والخوف والتردد، ونتجاوز (فوبيا) التفاصيل الخطرة، (اذ لم يحدث حتى الآن أن تخطى كاتب أو أديب عراقي هذه الجدران، وشهد للحقيقة عن نفسه، وعرى بيئته مثلما قرأنا في آداب الأمم الأخرى)، كنتُ اسأل عنك الليالي الطائفة عند سفح القمر فتقول لي يا (بن الناس) ما أحببت السهر فليس لدي ليل يتواصل فيه التيار الكهربائي.. حتى احتفي بوحشتي، فهات لي ضوءاً لا تخرج معه أدخنة الكيروسين، ويقل في ليلة ظلماء الأوكسجين؛ يا صاحبي لا جديد تقوله لي في غياب الأوكسجين، ولا جديد عرفناه يشق الصخر، ويطلق العقل العربي، فالداخلون إلى الكلام أكثر من الخارجين منه، بعد ان أضاعتنا المفاخر المتهرئة، وزاحمتنا الأيام البذيئة، بالحروب الإقليمية فكم من فكرة أضاعها السيف وكم من أسى قد حول الموسم الجميل إلى مأتم. (أقول للموت الداخل: أدخل لن تجد أحداً هنا غير بوابة مفتوحة على الحب- أنسي الحاج).. كم هو تاريخنا طويل يعج بالمدونات المنسية وليس فيه الكثير من المحاولات الحقيقية لتصنيف و معالجة بعض السلوكيات بالنظر إليها كأمراض تاريخانية مستعصية. أيها الصديق الكبير، والأب الطيب كم اشتقت إليك.. تجلس في أقصى الزاوية من قاعة أماسي اتحاد أدباء (ديالى)، وأنت تهز الرأس ككل مرة، بحثا عن من يؤيدك في فكرة أنت توافقها، كأنك تبحث عن بذرة صالحة أنت زارعها، فالأيام كان يقتلها ليلها، فـصديقنا (حسن قلق) كان شخصية تجيد الحديث عنها بدقة بالغة، كأنما من الخيال فلحقتك كنية (الدقيقة)، او سبقتك كسيف عذل وأنت حيث أنت قد قتلك ليل في عز نهارك، كان يريد ان يفرض ظلامه عليك.. أستذكرك بعد عام يا صاحبي من بعد ان فقدنا الأصدقاء ما بين (مُهجر)، أو (قتيل)، وفقدنا الأيام ما بين رحيل ورحيل.. سأقول عنك بأنك وصلت عامك الخمسين وباشرت الكتابة، وقبلها كنت تحرضني كثيرا على كتابة تتمنى قراءتها، اليوم أنا المشتاق فأحيي بذكراك رموز ثقافة (بعقوبة) كلها التي خلفت بيوتهم الفارغة ما بين ميت ومهاجر، ألف حسرة، حيث انساب منها الأبناء كانسياب نهرها العظيم إلى الشقوق، وكم عزّ فيها اللقاء. كم اشتقتُ إليك هذا العام (ابو ظفار) عساه أن يكون خيرا علينا، لأجل ان نقول للعام الجديد أيها العام رفقاً بمن بقي لنا من زملاء حيث هم ما لنا من وطن، فلولاهم ما كان الوطن وطناً، ولا كان الكلم يكشف معناه.

‏الثلاثاء‏، 18‏ كانون الأول‏، 2007

View alahmed's Full Portfolio
tags: